قصة "فراشة" لـ سارة فاضل

قصة "فراشة" 


كنت فراشة صغيرة لها جناحان من الأمل والتفاؤل..
فتاة من عائلة بسيطة ولكن لها طموح يكفي العالم أجمع.. 
كنت أعيش على أمل انني سأحقق ما يفوق توقعات الجميع، أدرس باجتهاد واعمل بجهد، التهم الكتب، وادخر كل قرش حتى استطيع شراء المزيد.. ظننت أنني سأصبح يومًا ما كاتبة مشهورة ويذيع صيت كتبي في أرجاء العالم..
كنت عبارة عن طاقة على هيئة انسان حتى قابلتك ياعزيزي..

كانت حياتي تسير بشكل عادي حتى التقت عينانا في ذلك اليوم، أتذكر كل تفاصيل ذلك اليوم الذي غير مجرى حياتي، نظراتك التي أربكتني وابتسامتك التي أسرت قلبي.. نبرة صوتك وأنت تحادثني..

قبل أن تأتي إلى منزلنا كنت أحاول جاهدة أن أمنع هذا اللقاء متحججة بإنني لا أريد زواجًا تقليديًا، ولكن بعد أن رأيتك أردت أن لا ينتهي لقائنا هذا أبدا..يومها ساد الصمت بيننا ولكن قلبانا تحدثا..

تم التعارف وتمت الموافقة على خطبتنا ثم توالت اللقاءات وكثر الحديث بيننا.. 
قُلت لي بإنك لا تُمانع أن أكمل كل خططي وأن نجاحي هو نجاحك فهدأ قلبي، فقد كان هذا هو أكبر عائق يمنعني من الموافقة على الزواج..
تم كل شيء بشكل سريع حتى أنني ذُهلت، أنا التي رفضت حتى التحدث عن الزواج، صرت أجري في كل اتجاه، أقضم أظافري قلقً ليتم كل شيء ب في عُرسنا بالشكل الصحيح..

في يوم زواجنا حمدت الله أنني من خُلقت من ضلعك وأنك من جئت لتكملني..
نظرت إليك ورأيتك السند الذي لا يميل أبدا، وكأنك الضلع الثابت الذي وهبنيه الله..
استأمنتك قلبي وأشرت لك على ضعفي وأنا أؤمن انك خير من استأمنه على ضعفي وزلاتي وانكساراتي، وأنا مؤمنة أنك ستجبرني وتحميني حتى من نفسي..

ويشهد الله أنني قضيت معك أيامًا ذُقت فيها معنى النعيم، ذُقت معنى السكن والسكينة المجتمعان في شخص واحد.. أن يكون قوامًا لكِ لا عليكِ.. خضت معك تجارب ما كنت أتخيل مجرد التفكير بها.. 
كان شهرًا واحدًا معك كفيلاً بإن يغير مجرى حياتي.. بعدها تبدلت أولوياتي وصرت أنت على قمة القائمة..

ولكن السعادة لا تدوم...
ظننت الحياة راضية عني ولكن الحياة دائمًا تفاجئنا..
ثلاثون يومًا في النعيم تحولت حياتي بعدهم إلى جحيم..
لم تستطع الصمود أكثر حتى تخلع عنك هذا القناع، حتى تُظهر هذا الوحش الذي كنت تخفيه..
صار وجودك جانبي أكثر ما يثير رُعبي بعدما كنت أنت الأمان..
كل ليلة تعود مخمورا، تتحدث دون وعي، تنعتني بأقبح الأوصاف.. لم تدع موضعًا في جسدي إلا وطاله بطش يدك وأنت غير مدرك..

كانت تلك صدمتي الأولى قبل أن تتوالى الصدمات حينما طلبت الطلاق فلم ترضى أنت ولم أجد شخصًا واحدًا من أهلي يدعمني.. وكأنني كنت عبئًا تخلصوا منه ولا يريدون عودتي مرة أخرى..

تضرعت إلى الله يوميًا أن يُخلصني منك، فأنا فقط أردت أن أكون صديقتك قبل أن أصبح زوجتك، أن تراني بعاديتي مكتملة، ان تُخَلّد قصة حُبنا ولكن قصتنا عُمرها كان قصير، أقصر من أن استوعب أنه انتهى بهذه السرعة..

 تبدل الحال وانقلب، فقضيت معك أيامًا أود لو أنني استطيع أن أمحيها من ذاكرتي، حتى أتى ذلك اليوم الذي أخبرتني فيه عن نيتك للسفر.. لم أستطع كتمان فرحتي.. بكيت كثيرا عندما علمت أنك لن تعود قبل ثلاث سنوات وانك ستسافر دوني.. تظاهرت بالحزن وأنا أكاد اطير فرحًا..

مرت الأيام التي تسبق ذهابك ببطء شديد.. كنت أعد الدقائق حتى موعد رحيلك.. وحين رحلت أنت شعرت انني استطيع التنفس أخيرا
لن أنسى أنني جلست في أرض المطار أبكي والجميع يظنني حزينة لفراقك بينما أنا ابكي فرحًا لأنني تخلصت منك أخيراً..
مر بعض الوقت قبل أن يصدمني خبر حملي.. فكرت أن أُجهضه ولكنني تراجعت، فماذا كنت سأجيب خالقي عندما يسألني بأي ذنب قُتلت تلك الروح..

مرت أيام كان النوم فيها هو أكثر ما أتمنى... 
كان عقلي يحترق من التفكير ولكنني قررت في النهاية أنني سأرسل لك لأخبرك بنبأ حملي..
لم أكن أريد أن آتي للدنيا بطفل يحمل اسمك.. ولكن الصدمة كانت عندما علمت بإنني أحمل داخلي روحين وليست روحًا واحدة...

مرت الأيام ثقيلة، ولكنني كالعادة قررت حملها وحدي، قررت أنني لن أتسول اهتمامًا من أحد..

أتى اليوم الذي وضعت فيه طفليَّ، كانا ملاكين صغيرين..
كنت أنظر اليهما وأنا أبكي وحيدة، مرت الأيام بثقلها.. أحزن كثيرا وأبكي، أحاول الهرب من أحزاني بالنوم ثم افيق ليلا لتلاحقني ذكرياتي..

ولكن بعد وقتٍ قليل بدأت الحياة تبتسم لي، تلخص عالمي في ابتسامة ملاكيَّ الصغيران.. كانت ابتسامة من أحدهما تكفيني لأكمل يومي مبتسمة مقبلة على الحياة..
مرت السنوات الثلاث قبل أن تعود انت وتعود معك آلامي التي كنت فارقتها يوم رحيلك..
استقبلتك بابتسامة مصطنعة وقابلتني أنت ببرود تام..

لم تكن مشتاق حتى لرؤية طفليك.. 
عشت  قلقة من أن تعيد كرتك ولكنك هذه المرة كنت هادئًا تماما، صحيح انك كنت بارد المشاعر ولم توجه لي سوى بعض كلمات قليلة تطلب حاجتك ثم تصمت ولكنني ارتحت لهذا الوضع فلم اتمنى أن يرى أطفالي أمهم تعاني بسبب والدهم.. تمنيت لهما أن يحيا بهدوء..
دفنت اوجاعي لئلا يشعرا بها، وقررت رسم ابتسامة زائفة على وجهي طوال الوقت.

مر وقت طويل ونحن على نفس الحال؛ ظننت أن الحياة قررت منحي الطمأنينة أخيرا وإن كانت سعادتي ناقصة إلا أنه كان يكفيني فقط شعور الأمان.. كان يكفيني فقط أن تدعني وشأني، أن تتركني أحيا برفقة الصغيرين حياة هادئة..
ولكنني أخبرتك سابقًا أن الحياة تفاجئنا ولسبب لا أعلمه كانت الحياة تتفنن كل مرة في مفاجئتي بشكل مختلف..
مرض الصغيران مرض شديد في نفس الوقت.. لم تهتم وكأن الذي بين ضلوعك حجر، وبدماء باردة أخبرتني أنني من أهملت رعايتهم وأنه إن حدث لهم شيء فإنني المسؤولة..
كنت تائهة لا أعلم ما الذي ينبغي علي فعله، تقطعت السبل وأنا أجهل أي الطرق أسلك.. كنت أناديك لعلك تسمع، ألوح لك لعلك ترى.. أقول لك بصوتي الضعيف أنني انا الفتاة نفسها التي أحبتك، أنا تلك الصغيرة التي وعدتها أن تدللها وبدلا من ذلك أصبحت مسؤولة عن صغار لا تدري كيف تعتني بهم.. 
أنا تلك الفتاة التي علمت أن نعومتها لن تعينها على حملها، أنا تلك الفتاة التي قَتلت أنت أحلامها بدمٍ بارد.. أنا تلك الصغيرة التي كَبُرت قبل أوانها..

كنت بالأمس فراشة لها جناحان من الأمل والتفاؤل والآن صارت الفراشة تحمل فوق جناحيها اليأس والحزن..
فقدت طفلاي في نفس الأسبوع وأنت تدرك أن ما فقدته ليس قليلاً ولكنك تخليت عني في منتصف الطريق.. تركتني أغرق بين التيه والحزن.
.
كنت فتاة عادية.. عادية بكل ما تحمل الكلمة من معنى؛ بسيطة غير متكلفة.. 
كنت عادية بطريقة ملفتة في وسط كل هذا الصخب من التصنع..
فتاة اخبرتها أنت انها مميزة بعاديتها، لأنها تتحدث دون تصنع؛ عفوية بشكل مبهر ومبهرة بشكل ليس له مثيل.. 

والآن اتسائل، ألم تخبرني أنه كان يكفيك أن تتأمل وجهي لكي تستقر نفسك وتشعر بأناة وجدانك...
ألم تقل انت أن سماع صوتي كفيل بإن يجعل أحزانك تداعى حتى تفنى.. 
ألم تخبرني في لقائنا الأول أنني بهية بطريقة تشعرك بإنني الكاملة دون نقصان، بإنني مزيج من طيب الحياة.. بإن لي قدرة على بعثرتك وترتيبك في آن واحد..أن لي حضور وهيبة ورقة ووداعة، مزيج من الجمال والحسن بعادية مبهرة..
كنت أريد الحفاظ على عاديتي.. لم سلبتها مني؟ لم طمست هذه العادية المبهرة فأخفيت ملامحها وابدلتها بأخرى.. أخرى فقدت كل شيء فلم يعد يهمها شيء..
لم أهرب يومًا من شيء واليوم كل ما افعله هو الهروب.. أهرب من مواجهتك بسوئك، من مواجهة أهلي الذين تخلوا عني، من مواجهة ضعفي أمامك وأمامهم.. استيقظ لانتظر موعد نومي..
بُتر جناحيّ وبُترت معهما أحلامي وصرت الآن شبح لذكريات لن تُمحى.. ليتك تركتني بعاديتي...

-سارة فاضل. 

تعليقات

المشاركات الشائعة