القراءة جسر ينقلنا من اليأس إلى الأمل
القراءة جسر ينقلنا من اليأس إلى الأمل
أجلس مقلّبةً وريقاتَ كتابي بشغف جلوس مُريدٍ بين يديّ معلّمه ،أنهلُ من عذب ما قيل وبديعِ ما روي ،وأبغى الحكمة والسّداد من أخبار الشعوب وحوادث الأمم فإذ بها لا تنضب الحكاياتُ ولايرتوي العطش فرأيت أن أستزيدَ أكثر وفي كل استزادة زادٌ أستعينُ به على عواملِ اليأس والوحدة فألفيتني انتقل بين بدائعِ الوصف وروائع التّصاوير ،وأهتدي إلى مايهذّب النّفوس ويسمو بالعقول ويذهب بالأفئدة.
وها أنذا أبحر أحيانًا في عوالم السّير والرّوايات، فأقابل كاتبًا صارع نوائب الدّهر وأهوالَ الحياةِ صراع الجبابرة العُتاة؛ فكان من عظيمِ ما صنع رغم جحيم ما عانى أمثولةً تلهم خائريّ الهمم وضعيفيّ الثقة بالإرادة البشريّة الخلّاقة.
فكم من عالمٍ وصل ليله بنهاره لينير عتماتِ الصّعب والمجهول فيغدو سهلًا ومعلومًا؟
وكم من بديعٍ نُظِمَ من شعرٍ أو أدبٍ قرأناه فحلّقنا في سماواتِ الإبداع تحليق نسرٍ لا يعرف إلّا الارتقاء ولا يرضى بغير الأعالي ؟
وكم من محزونٍ بثّنا لواعجَ لوعته فبكينا حزنه كأنّه حالنا؟ وكم من مُدنَفٍ أعياه الحبّ وأرهقته الصّبابة، انفطرت جوارحنا لصدق عَبَراته وحيرة قلبه وهُيام روحه؟ فقرأنا ما فاضت به نفسه وماخطّه حبر شوقه.
إنّها القراءة بوّابة السفر عبر الزمن إلى عوالم عجيبة لم تطأها مخيّلةٌ قط، إنها فجوة في جدار اليأس للعبور إلى ضفة الأمل، نطلّ منها على مخبوء دواخلنا فنعرف أنفسنا انعكاسًا لذات الآخر، وكأن بنا نُنَاظر ذواتنا في مرآةٍ فنَعجَب كيف يتفوّه هذا الكاتب أو ذاك بلسان حالنا كمن يعرفنا خيرًا مما نعرف أنفسنا.
وبالقراءة تُسبَر أغوار أرواحنا وتُستَبدَل سكينتها الرهيبة برياض مأهولة.
وبدوام المعرفة والإطّلاع تُصبح مُحاورًا لا يُشَقّ له غبار، يملك من فصاحة التعبير وجمال الأسلوب وقوّة الحجّة ما يَعجب له الآخرون، فيغدو حضورك آسرًا ورأيك موضع احتفاءٍ فإذا تكلّمت في مجلسٍ رنا إليك الجميع مصغين صاغرين.
والقارئ الحصيف لا تستسيغ ذائقته إلّا الفريد من النصوص والثمين من الكتب، وخيرها القرآن الكريم الذي بدوام قراءته يجري البيان على ألسنتنا جريان الماء على صفحة الصخر، وتَبرَأ أرواحنا من أوهام الخوف وتشفى أجسادنا من أسقام الدنيا.
فإذا كانت الكتابة تجسيدًا للكينونة والوجود، فالقراءة لها هي نديم الرّحلة ومديد الطّريق.
بقلم: نادين مالك خطيب

تعليقات
إرسال تعليق
يسعدنا مشاركة رأيك