رحلة بين الصفحات
القراءة جسر ينقلنا من البؤس إلى الأمل
"اقرأ" هى أول كلمة جاءت فى القرآن.
كلمة تحمل فى تلك الحروف الأربعة البسيطة بحر من أسرار وخبرات وتجارب؛ تخوضها لتتغير مفاهيمك ونظرتك للحياة... فكيف بدأ الكتاب؟ وكيف تستطيع تلك الكلمة البسيطة أن تخرجك من ظلماتٍ إلى نور؟ وكيف تغير من حالتك الصحية والعقلية والنفسية؟ هذا ما سوف نوضحه لك فى السطور التالية
نشأة الكُتب
قبل أن تأخدنا القراءة فى رحلة مشوقة، دعنا فى البداية نسافر عبر الزمن قليلاً لمعرفة كيف نشأ الكتاب؟
فمنذُ العصور الأولى لم يكن الكتاب معروفًا بشكلهِ الحالي؛ ولكنّه بدأ كألواح، ومخطوطات، وأوراق بردي؛ ثم ظهرت بعدها الكتب المخطوطة باليد وكانت باهظة الثمن للغاية لأنها كانت متقنة الصنع.
توالت التطورات عبر الأزمنة وصولاً لشكل الكتاب الورقي المعروف حاليًا، ولكنه أيضًا فى طريقهِ للإندثار بعدما انتشرت الكتب الإلكترونية، والتى يفضلها البعض لاستطاعتهم تخزين مئات منها فى مجرد جهاز صغير..
لم تكن أشكال الكتاب منحصرة فقط فى أشكال برديات أو مخطوطات وألواح خشبية أو طينية أو حتى جُلود؛كانت بعض الكتب صُنعت من الذهب الخالص مثل: "لوحات بيرجي الذهبية" والتي يرجع تاريخها إلى ٥٠٠ قبل الميلاد، وعثر عليها في سنة ١٩٦٤م فى منطقة بيرجي الأيطالية، وتتكون من ثلاثة أوراق ذهبية منفصلة.
أيضًا "كتاب أورفيسم الذهبي" الذى يعود إلى عام ٦٦٠ قبل الميلاد، والذي ظل محتفظ بمحتواه لأنه مصنوع من الذهب قيراط ٢٣،٨٢، ويوجد حتى الآن فى متحف التاريخ الوطني البلغاري بمدينة صوفيا..
أول كتاب في التاريخ
ويعتبر كتاب "ملحمة جلجامش" أول كتاب على الإطلاق، ويحكى عن قصة الملك جلجامش، والذي استخدم سلطة أشبه بسلطة الإله لاستعباد شعبه وتم إكتشاف الالواح الخاصة بهذا الكتاب فى عام ١٨٥٣ ويعتقد أنها كتبت فى حوالى ٢٠٠٠ قبل الميلاد..
الفائدة من قراءة الكتب
والآن وبعد أن مررنا سريعًا على نشأة الكتب وعرفنا كيف كانت حتى أصبحت بالشكل الذي نعرفه، هناك سؤال قد يتراود على أذهان البعض؛ ما الإستفادة التى قد تعود عليّ من قراءة كتاب؟ والسؤال الأهم هل يمكن للقراءة أن تغير من مجرى الحياة؟ إجابتك سوف تجدها بنفسك من خلال السطور التالية..
القراءة ليست مجرد كلمات كُتبت فى أوراق لتقع بين يديك، هي رحلة وحالة تعيشها فى كل سطر، تأخذك من غرفتك الصغيرة إلى عوالم وأزمنة أخرى ربما لن تتاح لك فرصة رؤيتها فى الواقع؛ القراءة تجعل من تلك الكلمات صورة تتخيلها وتحياها بكل تفاصيلها.
فى كل كتاب رحلة ومغامرة تأخذك بعيدًا جدًا فى مشهد أنت صاحبه، الممتع أنك قد تتخيلها بشكل مختلف فى كل مرة تقرأها فيها...
القراءة قادرة على تحويل كلمات إلى أشخاص وتجارب وحيوات كثيرة، هي إما تجربة الكاتب نفسه أو تجارب أشخاص آخرين، أو معلومات ونظريات تغير مفهومك ونظرتك وفلسفتك في الحياة..
هي رحلة شيقة تأخذك بعيدًا لتطير بخيالك إلى حدود السماء، فأنت هنا تمتزج بخبرات وتجارب تصقل بها عقلك، وتزداد بها نُضجًا
الكتب تستطيع بسحر أوراقها وكلماتها أن تغير حالك من حال الى حال بحسب ما تقرأ بين يديك.
العلاج بالقراءة "Bibliotherapy"
لم يقتصر دورها على ذلك في أنها غذاء الروح والعقل فهى أيضًا علاج فعلي للنفس..
فقد أُثبت أن أحد أنواع العلاج النفسي، والذي يسمى العلاج بالقراءة أو (Bibliotherapy)، هو منهج أثبت فاعلية كبيرة من حيث التكلفة أو النتائج.
ويعتبر اليونانيون القدامى هم أول من اتبع هذا المنهج فى مكتباتهم - التي كانوا يقدسونها- باعتبار أن الكتب لها قوى علاجية..
وكذلك فى أوائل القرن التاسع عشر بدأ الأطباء مثل "بنجامين راش" و "مينسون جالت الثانى" استخدام القراءة لإعادة التأهيل وعلاج بعض المشاكل الصحية والعقلية..
وكذلك خلال فترة الحرب العالمية الأولى والثانية استخدمت تلك الطريقة لمساعدة الجنود على استعادة اهتماماتهم النفسية والعاطفية..
وقد تم الإعتراف بهذة الطريقة رسميًا فى عام ١٩٤١م في قاموس دورلاند الطبى..
وفي الخمسينات توسع استخدام هذه الطريقة عندما طورت "كارولين شرودز" نموذج قائم على فرضية أن الناس يتأثرون بالقراءة..
وفي عام ١٩٦٦م أصدرت جمعية المكتبات الأمريكية تعريفآ رسميًا للعلاج بالقراءة..
وفي سنه ١٩٦٩م شكلت الجمعية العلاج بالشعر
وفي ١٩٧٨م قسمت "ريا روبين" العلاج الكتابى إلى قسمين: تنموي (الأماكن التعليمية) وعلاجي (لأوضاع الصحة العقلية)..
وفى عام ١٩٨٣ م تم تأسيس الاتحاد الدولى للعلاج بالقراءة والشعر..
وفى عام ٢٠١٤ م اصدرت الباحثتان "إيلا برتود" و "سوزان الدركن" كتابهما (العلاج بالرواية من الهجر وحتى فقدان الشهية ٧١٥ كتابآ لعلاج كل ما تشكو منه)؛ حيث تتضمن الكتاب قائمة طويلة للأمراض العضوية والنفسية، والمشاكل الإجتماعية، وطرق علاجها بالروايات بناءً على دراسات وأبحاث طويلة..
أقسام العلاج بالقراءة
هناك العلاج التنموي: ويستخدم لتثقيف الأفراد حول مراحل التطور الرئيسية.
العلاج الوصفي: (المساعدة الذاتية) والذى يستخدم لمعالجة مشكلات الصحة العقلية مثل الاكتئاب والقلق. "أجل ياعزيزي إن القراءة هي علاج فعال للإكتئاب"
العلاج الإبداعي: ويركز على الأدب الخيالي؛ كالقصص القصيرة والمسرحيات والشعر كأداة لمساعدة الذين يعانون من أزمة الهوية وغيرها من المشكلات مثل اضطرابات الطعام، ومشاكل العلاقات، والمخاوف الوجودية.
القراءة تجعلك تعزز من قدرتك على فهم المشكلة والقدرة على التعامل معها ومعالجتها، واكتساب خبرة تعامل أشخاص آخرون مع مشكلة شبيهة لمشكلتك بأكثر من طريقة..
القراءة بحر عميق مليء بالأسرار الكامنة بداخله، والتي لمعرفتها عليك الغوص داخل صفحات الكتب وكلماتها؛ لتكتسب القدرة على النجاة من ظلمات ومخاوف تسجن روحك وعقلك بداخلها..
القراءة نافذتك لعالم قد يكون خيالى منسوج بأفكارك وأحلامك، وقد يكون عالم واقعي تستطيع فيه مواجهة مخاوفك وأحزانك، فالقراءة هى الجسر الذى تعبر منه من البؤس إلى الأمل..
بقلم: فريدة النجار

تعليقات
إرسال تعليق
يسعدنا مشاركة رأيك