قصة أمل جديد

قِصَّة أملٌ جديدٌ

نظرَتْ من شرفتِها العالية من مبنى مركزها الطبي؛ لتنتعش بالهواء العليل، والمناظر الطبيعية حولها، وتستعيد طاقتها بعد يوم عمل شاق؛ لترجع بذاكرتها إلى تلك الليلة شديدة البرودة والأمطار من إحدى ليالي ديسمبر. وقفت أمام الكوبري؛ لتشعر بفقدان الحياة والأمل خاصة بعد موت أبويها، واللذان كانا مصدر الأمان والحياة لها، خاصة بعد سعيها لإرضائهما بلقب طبيبة الذي طالما لقبوها به منذ نعومة أظافرها. على الرغم مِن أنها لم تكن تحبه ولا تريده؛ فهي تحلم بالرسم والألوان لإضفائها على حياتها التي سادها اللون الأسود. خاصة بعد أن أخذ عمها أموالها التي ورثتها عن والدها كونها وحيدة، وصغيرة، وسوف تكون السبب في ضياعها، وأصبح يقتات عليها منها حسب حاجتها فقط. شعَرَت أن الحياة فقدت طعمها، وتاهت فيها، أصبحت بلا معنى، بلا هدف كورقة في خريف لا واجهة لها.
أغمضَت عينيها، وقررت أن تنهيها في هدوء وسلام؛ لتستريح من كل هذا.. وضعت قدمها، وذرفت عينيها دمعة خيبةٍ، وحزن، ووجع يأس، ووادع لتلك الدنيا التي لم تعد ترغب فيها، وحتى لم تتعشم أن يذكر أحد أنها كانت موجودة من الأساس، فهي وحيدة بلا أهل، ولا أصدقاء منذ طفولتها.. همت برفع قدمها الأخرى؛ لتنهي كل ذلك في هدوء؛ لتودع ذلك العالم الباهت الكئيب.. إلى أن شتتها بكاء بجانبها، تراجعت؛ لترى طفلة تبكي بجوارها.. وتساءلت: كيف لطفلة أن تكون بمفردها في ذلك المكان والوقت، ولا تشعر بالبرد والأمطار الشديدة؟
نزلَت من الكوبري، وذهبت إليها في تردد؛ محاولة تهدِئتها، لعله يكون آخر موقف جيد لها في تلك الدنيا.. ربتت على كتِفها في حنان، وسألتها: "ما بكِ؟" لترد عليها الطفلة وتخبرها: أنَّ أمها تتألم من الوجعِ وحيدة في المنزل، ولا تعرف كيف تتصرف؟ وأنَّ أباها متوفَّى، وليس لديها أقارب، فخرجت للشارع؛ لتستعين بأي أحدٍ يساعدها.. طمأنتها، وأخبرتها أنها ستساعدها، مسحت الطفلة دموعها وهدأت قليلًا، ومسكت يدها في براءة لتتجه بها إلى منزلها.. لتجد الأم في حالة يُرثى لها، أخبرتها ألَّا تخاف، وأنها ستعود إلى مساعدتها، نظرت لها الطفلة بكل براءة "توعديني هترجعي؟" انتفض قلبها من براءتها وإحساسها أنها منقذة لأمها، لتقول لها بكل حب: "أوعدك هرجع". ذهبت سريعًا؛ لتحضر كل الأدوات والأدوية المسعفة، وركضت إلى منزل الطفلة سريعًا، والتي كانت بانتظارها على الباب، لتستقبلها بابتسامةٍ تحمل كل إشراق الدنيا، لتضمها في براءة وتقول: "شكرًا إنك رجعتي؛ علشان تساعدي ماما". ارتعش جسدها من صدق إحساسها، أدركت سبب حياتها لتلك اللحظة، لتضمها أكثر وتقول بحروف متقطعة: "أنتِ اللي رجعتينى".
ذهبت لإسعاف أمها، والتي بدأت تستعيد وعيها تدريجيًّا؛ لتحتضن ابنتها في خوف، وحبٍّ، ولهفة.. بكَت بشدة لرؤيتها تلك المشاعر الصادقة لتتذكر أمها التي طالما طمأنتها في خوفها.. تنبهت الأم لها لتقول بكل امتنان وحب: "أنتِ أنقذتيني وأنقذتي بيتنا كله". لم تعد قادرة على التماسك، وبكت بشدة كأنها لم تبكِ في حياتها، وطمأنت الأم على حالتها، وكتبت لها الأدوية اللازمة، وضمت الطفلة بشدة، وخرجت من المنزل وكأنها تركت نفسها القديمة على أعتابه.. شعرت أن وجودها لم يكن هباءً، وأن لحياتها هدفًا ومعنى.. وأنها قد تكون سببًا في إنقاذ حياة غيرها.
عملت بجد وأكملت دراستها، وخصصت جزءًا كبيرًا من يومها لعلاج كل محتاج دون مقابل.. وزادت شهرتها رويدًا رويدًا، وأصبح لديها عيادتها الخاصة، إلى أن ذاع صيتها، وأصبحت مالكة أيضًا لمركز طبي متكامل، وخصصت فيه مكانًا للعلاج مجانًا، وسمَّتهُ "أمل" يحمل اسم تلك الطفلة التي أنقذتها وأعطتها حياة جديدة، وأنها أصبحت أملًا لكل من أراد الله أن تكون سببًا في شفائِه.. لتسمع صوتًا بجانبها يخرجها من شرودها يقول: "اوعي تكوني نستيني!" لتضمها بكل حب وامتنان لتهمس لها: "لن أنساكِ أبدًا يا أمل".
كثيرًا ما نشعر أنها النهاية التي نفقد فيها كل شيء، ولا نعلم أنها مجرد بداية لحياة جديدة.

-فريدة النجار.

تعليقات

المشاركات الشائعة