من ذاكرة النزوح: قصة قرية مزقتها الحرب

في أواخر أيام شهر رمضان المبارك، لا أستطيع أن أنسى كل ما دار في تلك الأيام التي فرّقت شمل قريةٍ آمنة تعيش في سلامٍ، حيث كان الود والبساطة ينتشران بين أهاليها، وتمتلئ منازلهم بالدفء والحنان.
في تلك الأيام، كان كل من في القرية خائفًا ومرعوبًا من الأخبار التي تقول إن الهجوم القادم سيكون على قريتنا، لأننا صدَدْنا مجموعةً من الجنود الذين تم إرسالهم لإخضاعنا لحكمهم. كان شباب القرية يتصدون لهم، وهم لا يملكون سوى العصي والأسلحة البيضاء. 
في عصر ذات اليوم، انفجرت القرية بالبكاء، إذ زفّت شبابًا شجعانًا دافعوا بكل بسالة عن عرضهم وأموالهم، واستشهدوا إثر رصاصات قنّاص لعين، هم شهداء بإذن الله، عقّد كبار الأهالي اجتماعًا ووجدوا أن الحل الوحيد هو إخلاء القرية من السكان، حتى لا يجد العدو من يقاتله، ولا تكون هناك خسائر أكثر في الأرواح، لأننا لا نملك القدر الكافي من الأسلحة النارية لمواجهتهم.

فما كان منا إلا أن خرجنا قبيل الفجر على وجل، سيرًا على الأقدام، نحمل في قلوبنا ذكريات عن الحب والإخاء، تاركين خلفنا قريتنا ذات الملامح الخضراء. كانت الوجهة محددة نحو القرى المجاورة. 
عندما وصلنا، استقبلونا ورحبوا بنا عند مدخل القرية بكل بشاشة وسعة صدر، وكان كل رجل يقول: "تفضلوا إلى منزلي" توزعت الأسر على منازل القرية، وبدأت النساء بإعداد الإفطار للصائمين.

كنا نريد أن نمكث بعض الأيام في هذه القرية حتى تهدأ الأوضاع، ثم نعود إلى ديارنا، ولكن كان جيش العدو كبيرًا جدًا، فاستباح قريتنا وكل القرى المجاورة لها في أيامٍ متتالية. 
قاموا بسرقة المحاصيل الزراعية والبضائع وأثاث المنازل، فأعدنا الكرّة بالنزوح إلى مناطق أبعد، بحثًا عن المأوى والأمان، ولكن هذه المرة تفرق شملنا؛ فلم يكن أحدٌ منا يعلم أين ذهب الآخرون، لم أكن أعلم أين ذهبت عمتي أو خالتي أو عمي. 
كانت شبكة الاتصال مقطوعة، إذ لم تكن هناك وسيلة لمعرفة أخبار بعضنا البعض إلا بعد أن وصل كل شخص إلى المدن الآمنة التي لم تُقطع شبكة اتصالاتها.

تناقلنا أخبار بعضنا البعض، فكان هناك من استقر في إحدى المدن وبدأ في البحث عن مصدر رزق، ومنهم من غادر ربوع الوطن الحبيب، ولكننا لن ننسى يومًا هذه القرية الجميلة.

نقلت لكم في هذا السرد بعضًا من معاناة الشعب السوداني بسبب الحرب وهجوم مليشيات الدعم السريع على المدنيين العزل في القرى.

-مشكاة هيثم. 

تعليقات

المشاركات الشائعة