فراشات من نور

 فراشات من نور



إلى جانب اضطرارها إلى الاعتناء بأخويها الصغيرين وتحملها المعاملة غير العادلة التي تنالها من عائلتها مقارنة بأخيها الذي يكبرها بثلاث سنوات؛ كان ما يؤرق نور فتاة الاثني عشر ربيعًا شيءٌ آخر لن تفهمه إلا فتاة في مثل سنها؛ كان شعورها بكونها فتاة عادية مصدر أسىً لها. فهي ترى جميع صديقاتها مميزات بشكل ما، فالبعض وهبهن الله حظًا من الجمال أو الذكاء، أو من عليهن بالثراء أو حباهن حضورًا يأسر الآخرين على الدوام. 

أما هي فقد رأت نفسها عادية حد التلاشي، لا يعلق شيء منها في تلابيب الذاكرة؛ رغم جمالها الدافئ بعينيها العسليتين وشعرها البني الطويل وحيائها الرقيق. 

وكأن الحياة تحتاج من يطرق حواس الآخرين بمواصفات استثنائية كي توقظ فيهم أمارات الاعجاب والتقدير... حتى جاء ذلك اليوم الذي أقنعتها فيه صديقتها بالمشاركة في مسابقة أدبية لأجمل قصة في المدرسة.

ترددت نور في البداية؛ فهي لم تفكر قط أن تخط بقلمها شيئًا من قبل. صحيح أنها قارئة جيدة ولكنها تقرأ لمجرد المتعة ولتطوف بخيالها عوالم لا أمل أن تخطوها واقعًا، وكتاباتها تنحصر في إطار الإنشاء البسيط. ولكنها قررت خوض التحدي والمشاركة في تلك المسابقة، والنتيجة كانت أن أدهشت الجميع حين فازت بالمركز الأول وحصدت نظرات الإعجاب من زملائها، وكلمات الإشادة من معلميها الذين تنبأوا بولادة كاتبة مميزة مستقبلًا.


 ذلك اليوم فوجئت نور بنفسها أيضا، و أحست بنشوة عارمة؛ نشوة أعادت صياغة كينونتها مجددًا ورسمت حدود وجودها الفارق. لقد عرفت أن في مخبوء كل منا مواهب وجمرات دفينة تحتاج فقط من يوقد فيها شرارة الإبداع. ومنذ ذلك الحين بدأت تجلس كل ليلة إلى ركنها الخاص ؛ هناك حيث تلمس أفكارها بيديها، تسامر الحروف وتطوّع اللغة فتصنع منها نجومًا تنير زوايا وجودها الباهت فتحيله مضيئًا مبهرًا. وهناك على صفحات أوراقها حيث تتحول أحلامها أرواحًا صغيرةً، أو كما يحلو لها تسميتها فراشات.. فراشات من نور.


-نادين مالك خطيب

تعليقات

المشاركات الشائعة