من ذاكرة الحرب
من ذاكرة الحرب
بعد أن جاء اليوم المنتظر؛ كنّا مسافرين بطريقنا إلى ولاية القضارف، تم الوداع وداعًا حار من قبل الأهل والأحباب، كنت أرتدى عباءة واسعة وكمامة وحجابًا واسعًا كلهم باللون الأسود.
أنظر إلى بيت جدي عبد الله الذي احتضنّا في أيام الحرب املأ عيني منه واسأل نفسي: "هل يا ترى سأراه قريبًا أو سأراه مرة أخرى"؟.
آخذ تنهيدة واسعة وأنا شاردة البال، تسحبني أمل من شرودي حين قالت: فاطمة.. فاطمة..
قلت لها: صباح الخير، لم أكن أعلم بأنك ستأتين بعد أن قضيتي معنا مساء الأمس.
كان إخوتي وبقية الناس منشغلين بحمل الحقائب على ظهر العربة التي يجرها الحمار فقد كانت وسيلة المواصلات في تلك المدة العصيبة، ومن النساء يودّع في والدتي ولكن كنا أنا وريان في عالم آخر كنا خائفين ومرتعبين مما يحمله الطريق من مخاطر أتذكر أني قرأت سورة يس وأذكار الصباح ودعاء السفر وحملت المصحف بين يدي حتى اطمأن.
قال لي العم عبد المجيد (سنبل) مداعبًا: أين النقاب؟
تبسمت ثم قلت: هذا القناع؟ يكفي تذكرت نقاشاتنا حول اختلاف الأجيال، ومعلوماته الثقافية، انه موسوعة للكلمات الغريبة كما تقول رسيل.
ودعت عماتي وأنا أسأل نفسي: هل سأراهم قريبا؟ أتماسك قليلاً، ثم أرى خالي عثمان وأنهار بالبكاء مرةً أخرى..
أضحك علي هذه الدنيا الغريبة مع أختي، وكيف سنركب الحمار أم سنمشي علي الأقدام حتى نصل إلى (الدريسة).
وأبكي عندما يودعني أحد أو أرى دموع شخص من الحاضرين.
ولكن أنقذنا من العربة "مهند" عندما قادنا بعربته إلى مكان الحافلة التي ستقلنا إلي مدينة الحصاحيصا
وقبل أن أفرح كثيراً بالخبر وأنا أحمل حقيبة اليد من فوق السرير، أرى العم عبود يودعني بصوت يعشرق من الحزن وأرى دموعه تتساقط من عينيهِ..
لم أستطع التمالك وبكيت كثيرا وأنا أحاول تجميع الكلمات لأقول له يا عم عبود ربنا يرزقك العافية ويحفظك، حافظ علي صحتك.
لم أستطع أن أقول له جمل كثيرة؛ فرؤيته يبكي لوداعنا شيء غالٍ وموقف صعب لن أنساه طول حياتي فالعم عبود؛ خال، والد، وعم.. فقد كان بمكانة الصديق والرفيق.. كان يأتي كل يوم بعد المغرب أو العشاء.
يشاهدنا أنا وريان والنوار نعد شيئا للعشاء على الفحم، في تلك الفترة لم يتواجد الغاز، ويضحك علينا ويداعبنا، يأتي وهو حامل بطاريته في ذلك الزقاق الضيق وإذا كنت في الحوش وسمع صوتي يناديني يافاطمة ياريان ماذا تفعلون، نجاوب بصوت واحد نجلي ونرتب عدة المطبخ كالعادة، فيضحك ثم يدخل البيت ويقول لنا (تعبتم هنا يا بناتي).
ويدخل إلي العريشة مع أهلي أو يذهب إلى الديوان لن أنسى نقاشاتي معه وكمْ عرفت واستفدت من معلومات كان يحكي لي عما حدث في حرب الغرب في السودان وعن أمدرمان قديما وعن نميري، -حفظك الله- أينما كنت.
وصلنا إلي الحافلة وودعت عندها إيهاب ومنتصر ومحمد علي، تحركت الحافلة حينها أحسست أن قلبي بدأ بالرجفان نظرت إلى أختي وأمسكت بيدها وكان يبدو من عينيها الخوف والإرتباك، وصلنا إلى مدينة الحصاحيصا إلي الموقف، معقل ارتكاز المليشيا وجوه مجرمة ومخيفة وبنادق وأسلحة كبيرة.. هل أنا في السودان؟ حتما وفي ولاية الجزيرة أم ذهبت إلى بلد آخر أم دخلت إلى عالم أفلام الأكشن أكاد لا أصدق ما أرى...
كنا متشابكي الأيادي أنا وأختي نذهب خلف أبي أو عمي مباشرة حتى أحسست أني سأرميهم أو أعثرهم، وفي جل خوفي أرى امرأة قوية في الخمسين من عمرها متوسطة الوزن بصحة جيدة تتناقش مع إحدى أفراد المليشيا بأعلى صوتها، وهي تحمل أمتعة كثيرة ومنها (الهيتر) فقال لها: ما هذا؟ قنبلة أم ماذا؟
قالت له: قنبلة يا جاهل (دا هيتر) وعندما استفزها ولم يقتنع فقامت بضربه وكسره علي الحجر وقالت: إذا كان قنبلة كان سينفجر وتركته في محله وحملت بقية أمتعتها واتجهت لتقطع تذاكر الباص وكان معها ابنتها وحفيدٌ صغير.
ركبنا الباص المتحرك إلى القضارف، وقلبي مثل حلوى الجيلي، كنت أزيح الستار كي أرى أفراد المليشا، وحين جئنا لدور دفع النقود كنا نضعها في ساقي تحت الجراب ملصقة لصق حيث قمنا بتفكيكها وإعطاءها للوالد.
تحرك الباص ولم يذهب عشرة أمتار وتم إيقافه من قبل ارتكاز جديد وأعطاهم ورقة وسمحوا له بالذهاب، اختلفت المدينة تماما فقد كانت تعج بالحركة والناس، ذلك اليوم لم تكن إلا خرابات وكراسي علي جوانب الطريق وعربات مسلحة، وجئنا بالمحكمة حيث كانت محترقة متفحمة، دمار وخراب.
مدينة الحصاحيصا التي كانت تنبض بالحياة أصبحت هكذا، صرت أستغفر واستشهد على ما أراه إلى توقف الباص في ارتكاز...
صعد بعض من أفراد المليشيا وقال بصوت مخيف: السلام عليكم، وطالب ببطاقات الرجال والشباب وكان يسأل أسئلة وراء بعض وإن أجبت أي إجابة لا تعجبه حتى وإن كانت صحيحة يشكك بها ويستفز في الركاب حتى يخطأ أحدهم..
ظل يسأل وأنا خائفة مترقبة، أراقبه إذا سأل أحد النساء أو الفتيات ولكنه لم يفعل..
ظل يحدق بعينيه تلك حتى وصل إلى أبي وكنا نحن في الكنبات الأخيرة أنا على النافذة وأبي في الكرسي أمامي، ولكن على الجانب الأيسر من الباص، سأله: اسمك.. ماذا تعمل؟ ونظر إلينا وقال: "هؤلاء تبعك" كأنه يتحدث عن قطيع غنم.
قال لأبي: لماذا أنت ذاهب للقضارف؟ أجاب الوالد بأنه ذاهب لزيارة الدكتور كمال، وأسرته قال له: ما سبب الزيارة؟
أبي: مريض وأنا ذاهب لزيارته والاطمئنان عليه.
قال له -بطريقة مستفزة- مع ضحكة ساخرة هل هنالك دكتور يمرض؟، أنا لا أعلم هل الطبيب إنسان آلي أم يأتي من بلاد العجائب.
لم تمر دقائق على الارتكاز الثاني والثالث، وضاع مني العد في الطريق، ثم بعد ذلك وصلنا إلى رفاعة، تأخر إخواني في الصعود إلى الباص، فانتابني بعض القلق، ثم بعد دقائق وصلوا..
ثم قال أبي: إن أفراد المليشا طلبوا من إخواني الإنضمام إليهم وقال إنه ذكر لهم أعمارهم وأنهم صغار كي ينفذ منهم، وأن القائد قال له لدينا من أعمار الثانية عشرة سنة.
وتوالت الإرتكازات والأسئلة والإستفزاز وإنزال الرجال والشباب من الباص كل عشرة دقائق.
وصلنا إلى بيت جميل يبدو كمزرعة ولكن هذه البناية صنع بها فتحة كبيرة موضوع عليها سلاح.
أثناء تفتيش الشباب كنت أنظر من الشباك لأطمن على إخواني ثم رأيت شابًا ناعم الشعر قوي البنية فاتح البشرة من اللحظة الأولى عرفت أنه عربي الجنسية ولكن لم أستطع التحديد، غالبًا هو القنّاص.
ثم بقينا على ما نحن به من أول السفرة تفتيش وإيقاف كل عشرة دقائق، إلى أن اختفت ملامح الإرتكاز وقطع البص مسافة إلى أن وصلنا إلى الخياري أول ارتكاز جيش، أخذت نفسا عميقًا وقلت الحمد لله، وأخيراً، نزل حمل من على كتفي، رأيت عساكر وضباط جيش نظاميين لم تري عينيّ مثلهم منذ ثلاثة أشهر من سقوط مدني، كنت أحمل عتابًا في قلبي أردت مشاركته، ولكن احتفظت به، ثم قالت خالتي لهم: "خلصونا من هذه الحرب أرجوكم"
وقال لها أحد الضباط: -إن شاء الله-.
ثم وصلنا قرب جبال الفاو قبل الدخول إلى ولاية القضارف مع صلاة المغرب حين قال السائق لن يدخلنا الجيش إلي الولاية بعد هذه الساعة سنقضي الليلة هنا
تلفت إلى اليمين لأرى جبال عالية وإلى يساري بعض من" العرايش" و"الرواكيب" والمطاعم البلدية وجزارة لحم.
سألت خالتي: هل هو جاد أم أنه يمزح معنا؟ كنت خائفة جداً، ذهب الرجال وصلوا منهم من صلى على "الفرشات" ومن لم تكفه صلى على "شوال خيش".
بعد أن غابت الشمس وأسدل الليل ظلامه قليلاً، نزلنا وذهبنا إلى الحمامات التي في الهواء الطلق، كنت أنظر إلى ماء الوضوء وقلت لهم: هل أنتم جادون هل تصلح هذه للوضوء، قالوا: نعم هذه مياه ولاية القضارف توقفي عن التعليق وقمنا بأداء الصلاة، ودخلنا إلى عريشة وقاموا باستئجار "عنقريب" لنا، تناولنا العشاء وقبل أن أغسل يدي جيدا وكان أهلي يحاوطوني ويحكون عمّا حدث وتحاول أمي إسكاتهم نمت في ذلك "العنقريب" بالقرب من أمي "عائشة".. نمت حوالي نصف ساعة أو عشرين دقيقة..
بعد ذلك أيقظني أخي وقال هلموا بنا إلي الخارج، صنعنا دائرة من "العناقريب" يحاوطها إخواني، وكل من ركاب الباص أو الحافلات الأخرى يفعلون نفس الشيء، برد الجو قليلاً ونام الناس جميعًا، إلا أنا وفتاة أخرى كان يتضح عليها الخوف مثلي، لكن كان هناك خالة كبيرة أو جدة وزوجها كانا مستيقظين ليس لأنهما خائفان من المكان أو القطط، أو الكلاب والحمير كانا مستأنسين بهذا الجو الجميل يحكون عن أهلهم وعن أناس معهم في الحي ويقطع حديثهم الجميل هذا قول (جر جر) ثم تنظر إلي وتقول يا ابنتي لن يسببوا لكِ أذى هل أنت خائفة، قلت ليس هناك مشكلة، وتظاهرت بالنوم فهم من بعيد لن يميزوا وسيستمروا في حكايتهم التي تشبه حديث السمر، أحيانًا أراقب حديقة الحيوانات التي تجوب من حولنا، وأرى الرجال يضربون الكلب بحذائهم، عندما يشم أرجلهم أو يقترب منهم ويرجعون للنوم بعد قليل، ثم تأخذني مخيلتي في جولة مرعبة ماذا لو قررت المليشيا اليوم الزحف والهجوم علي الولاية سنكون نحن أول الضحايا، ماذا لو سقطت علينا حجارة من الجبل، ثم استغفر الله واقرأ آيات من القرآن...
وبعد ذلك دعيت ليس لنفسي، دعوت دعوة المظلوم على كل من كان سببًا في أن أقضي ليلة في العراء بين الجبال، كانت أطول ليلة في حياتي انتظر فيها الشفق.
-فاطمة صديق.


تعليقات
إرسال تعليق
يسعدنا مشاركة رأيك