وريقات أضئن دربي

 وريقات أضئن دربي


منذ صغري... 
كانت حياتي تعيسة جدا؛ عملت كبائع للفحم في أقذر الأماكن التي يسكنها الناس، حيث تتردد الألفاظ السوقية في كل شبر منها. 
المجرمون في بلدتي كانوا أكثر من الناس العاديين حتى، و ما العجب في ذلك، أنا نفسي كان والداي مجرمين قبل أن يتورطا مع شخص ذي نفوذ و يقضي عليهما أمام عيني، منذ تلك الحادثة و انا أعاني من فراغ رهيب في قلبي، لا حب، لا أمل، لا سعادة، كل ما اقوم به كان يقتصر على إنهاك نفسي في العمل و التشاجر مع من لا يعطوني حقي كاملا و مضايقة الفتيات، و الثرثرة مع الشباب في المساء، ثم الاستلقاء منهكاً في الليل على أرضية صلبة، و لعن حياتي ثم سؤال نفسي بيأس كيف يمكن للحياة أن تكون مملة و بائسة هكذا.

إلى أن ذهبت في يوم لأتقاضى ثمن ما اشتراه صاحب مكتبة قريبة من فحم، دخلت عليه في المكتبة، و بعد نقاش لم أراعي فيه أخلاق التعامل مع رجل عجوز مثله، قدم لي كتابا و قال: أنا لا أملك يا بني ثمن ذلك الفحم في هذه اللحظة و لكن سأعطيك هذا الكتاب بدلا عنه.. 
تفاجئت من فعله و صرخت في وجهه بوقاحة: هل انت أحمق، انا أريد مالاً لأعيش به وأنت تعطيني كتابا بدلا عن ذلك!، هل تظنني ماعز لأقتات على الورق، ثم من قال لك أنني أجيد القراءة؟ 
قال صاحب المكتبة: وإن لم تكن ماعزاً فماذا تكون إذن يا بني، في الحقيقة أنا لا أراك الآن سوى ماعز ينطح بعنف للحصول على ما يريد. 
تجمدت و لم أعرف ما يجب علي قوله في تلك اللحظة
ربّت على كتفي بلطف و قال: إن لم تكن تجيد القراءة فلا بأس، تعال إلي غداً بعد الانتهاء من عملك و سنقرأه معا وسيعجبك كثيرا. 
خرجت من عنده و في يدي الكتاب و أنا مغتاظ منه و في نفس الوقت شعرت لوهلة بشعور جميل، شيء ما في تصرفه مسّ قلبي، كان ذلك الرجل أول شخص يعاملني بلطف منذ سنوات.. 
عدتّ إليه بعد أسبوع بعد أن أقنعت نفسي بالذهاب إليه
جلست عنده و قلت له: ألم تقل أنك ستقرأ لي هذا الكتاب، هيا أنا أنتظرك. 
ابتسم الرجل بلطف، ثم جلس بجانبي و بدأ يقرأ، لم يكن يقرأ و حسب، بل كان يعلمني القراءة أيضا، قرأ لي رواية عنوانها "طفل اسمه نكرة".. 
كانت رواية ممتعة و لكنها كانت مأساوية جدا، بعد إنتهائه أخبرته أنها لم تعجبني لأنها حزينة جدا 
ابتسم ثم قال لي: إذن لا بأس، تعال غداً و سنقرأ قصة مسلية. 
في الأيام التالية لم أستطع تفويت موعدنا أبدا، كنت أذهب إليه بحماس كل يوم ليكمل لي رواية بدأ قراءتها لي بالأمس أو ليبدأ بواحدة جديدة، قرأ لي العديد من الروايات، في ممر الفئران، ساق البامبو، قواعد جارتين، هاملت، و شيئًا فشيئًا حتى أتقنت القراءة تمامًا و لكنني لم أخبره قط بذلك، لأنني كنت أحب أن يقرأ لي ثم يسألني عن رأيي و يناقشني، و هو أيضا بدا أنه يستمتع بذلك، إلى أن جاء يوم أمسك فيه رواية "ثم لم يبق أحد" و قال لي: هذه الرواية مختلفة، ستأخذك إلى عالم آخر و تجعلك تجرب أقصى درجات التشويق والحيرة، لذا أريدك أن تقرأها بنفسك و أنا سأكون مستمعًا فقط. 
أمسكت الكتاب، و بدأت بالقراءة، توترت قليلا في البداية ولكنني غصت سريعا في بحر الغموض الذي تحتويه. 

يوماً بعد يوم، تغيرت حياتي و تغيرت أنا كلياً، أصبحت أكثر تهذيباً و ثقافة، و قد شعرت أن الكتب قد ملئت الفراغ الذي كان في قلبي، وأحيت فيه مشاعراً كانت قد ماتت فيه منذ زمن طويل، لقد أدخلني صاحب المكتبة العجوز إلى عالم جميل، عالم واسع و مثير، عالم محفوف بالروعة من كل جهة، كنت أتخيل نفسي أمشي بجانب صاحب المكتبة في طريق جميل على جانبيه كل ما تشتهي نفسي من الكتب و الأمور الجميلة التي بدأت بتعملها شيئا فشيئا. 

و في يوم، أمسك صاحب المكتبة بيده كتابا و قال: لنقرأ هذا الكتاب اليوم 
ابتسمت له و قلت: لا، هذه المرة سنكتب نحن ليقرأ الآخرون. 
هكذا بدأت مشواري في الكتابة حتى أصبحت مؤلفاً لأكثر من خمسين كتاباً، و بعد كل كتاب أؤلفه كنت أشعر بسعادة عظيمة و أنني ازددت انتماء إلى ذلك العالم الجميل الذي كنت أراه في مخيلتي كل يوم عندما أكون برفقة صاحب المكتبة.

-تسابيح كمال. 

تعليقات

المشاركات الشائعة