فراشة بلا أجنحة

 كفراشة عالقة في إحدى أقذر بقاع الأرض؛ في بيت دعارة ولدت أنا كخطيئة أبى الزمان أن يغفرها، عشت فيه لسنوات تشرّبت فيها معنى أن تكون نكرة، حتى والداك يتجاهلان وجودك، عملت هناك كخادمة حتى يوفروا لي ملجأ و قوتاً.


 

(ابنة زنا) لم تفارق هذه الكلمة ذهني منذ أول مرة نعتني بها أحد الزبائن بغضب، و في كل مرة أعود فيها إلى غرفتي بعد يوم شاق، أفتح صفحات مفكرتي المهترئة و أبدأ بالكتابة، أخطّ مشاعري من حزن وغضب وآمال على الورق، ثم أنظر إليها و أبتسم. 

كنت أحرّر غضبي و مقتي لكل شيّ لأتنفس براحة، لأتقوى وأستطيع المقاومة، كلماتي التي أكتبها كانت بالنسبة لي كفراشات تحوم حولي بهدوء و تواسيني وتداعبني برقة. 

ذات مرة قرأت إحدى الشابات اللاتي يعملن في نفس البيت الذي أعيش فيه مفكرتي، وأعجبها كثيرًا ما أكتب، وأخبرتني أن كلماتي قد لامست قلبها، ثم و دون أن تشاورني، أنشأت لي صفحة باسمي على أحد مواقع التواصل الاجتماعي وأخذت تنشر فيها جميع ما أكتب. 

ما أذهلني أن كلماتي قد نالت إعجاب الآلاف، و عندما قرأت تعليقاتهم، غمرت السعادة قلبي و شعرت بالفخر، كان هناك صوت مزهو بداخلي يقول: حتى و أنا في بؤرة مظلمة كهذه أستطيع أن ألامس قلوب الآخرين بكلماتي و أنشر فراشاتي لتحلق بعيدًا، وتصل إليهم، وتبهرهم بجمالها، وتخبرهم عن ذاتي ووجودي. 

داومت على نشر كلماتي على ذلك الموقع إلى أن تواصل معي في يوم رجل ما، كان معجبًا بي بشدة، تعرف إليّ ثم أخبرني أنه صاحب دار نشر و أنه يريد أن يجمع نصوصي في كتاب ورقي وينشرها، تحدثنا طويلًا ثم سألني عن موقعي، وبعد عدة محاولات يائسة لتجاهل سؤاله أخبرته عن مكاني وسبب وجودي فيه، 

قال لي: إذن أنت فراشة عالقة في مستنقع! 

فقلت له: نعم، أنا فراشة بلا أجنحة تنتظر من يحملها ويحلق بها بعيدًا. 

بعد عدة أيام، طلبتني صاحبة المنزل، وعندما ذهبت إليها، وجدت معها رجلًا لا أعرفه، نظر إلى الرجل وقال لي: إذن أنتِ أيتها الطفلة، أنت هي فراشتي المنشود. 

مدّ لي يده ثم قال: تعالى لنصنع لك جناحاً.. 

في ذلك اليوم عانقت يدي يد ذلك الرجل المنقذ، ثم حلقتُ بعيدًا معه ومع أحلامي وآمالي ومع جميع فراشاتي. 


-تسابيح كمال

تعليقات

المشاركات الشائعة