غزة تحكي: إرث الأبطال من قلب الطوفان
أنا غزة، رقعة صغيرة على خارطة العالم لم تكفّ عن النزف يوماً ولم ترتح من صدى الحرب والخوف على مر الزمان.
هنا، حيث تُحاصرني الجدران من كل جانب، وتضيق عليّ الأزقة الضيقة، كأنني أعيش في قلب سجن كبير، يضيق بما حمل، أظل شامخة، متعبة؟ - نعم، لكنني لا أنكسر.
لطالما كنت ميداناً للمعارك، في كل مرة تستيقظ فيها الحروب من سباتها، أكون أول من يسمع طبولها، كأنني أصبحت العنوان الذي لا يفارق قائمة الموت؛ حيث كانت السيوف تُسَلُّ أمام أسواري منذ عصور بعيدة، من زمن الفراعنة إلى زمن الصليبيين، مرورا بالخلافات بين الإمبراطوريات العثمانية والمماليك، وحتى الآن، ما زلت أجد نفسي في خضم هذه الدوامة، وكأن التاريخ ذاته يعيد نفسه، بنمط مختلف وأسماء أخرى، ولكن الفكرة الأساسية هي ذاتها: محاولة السيطرة عليّ وترويضي، وأنا التي لا تعرف معنى الانصياع.
هل يعرفون حقاً من أنا؟ هل يدركون أنني، رغم كل ما يحدث لي، ما زلت أحتفظ بروحي الحرة؟
تعالوا معي لأسرد لكم الحكاية من البداية، من تلك الأيام التي كانت فيها الأرض خصبة والشمس ترسل أشعتها الذهبية بلا حواجز؛ حيث لم يكن الطوفان الذي غمر الأقصى هو البداية..
عشت تجارب عميقة من المحن والصراعات تعود لآلاف السنين، تجارب تتجاوز ما يمكن أن يتخيله أي إنسان، الاحتلال الذي جاء في عام 1948 لم يكن سوى حلقة في سلسلة طويلة من المعاناة، ومع ذلك، ها أنا صامدة، أعيش في قلب المعركة، أحمل في روحي تُراثًا عميقًا من الصمود والمقاومة..
تُظهر الحفريات التاريخية أنني كنت مأهولة منذ عصور ما قبل التاريخ، لكنني أُعيدت صياغتي في كل مرة؛ من الفراعنة الذين بنوا ممالكهم الكبرى إلى الإمبراطورية الرومانية التي حاولت السيطرة عليّ، كنت دائماً أخرج من بين ركام تلك الحروب أكثر صلابة، عندما اجتاحتني جيوش الفراعنة في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، كنت مكان العبور ومركزاً تجارياً حيوياً، ورغم قسوتهم، خرجت من تلك المعركة حيةً، وكأنني زهرة برية تنمو وسط الصخور.
ثم جاء الفرس، ثم الإغريق، حيث كان الإسكندر الأكبر يحلم بتوسيع إمبراطوريته، لكنني كنت أعيش في تلك الأيام وأرى كيف أن كل من يحاول السيطرة عليّ يعود بخفي حنين.
ومع بداية الحكم الروماني، شهدت تعميراً واستقراراً، ولكن أيضاً قسوة وسجوناً. ومع ذلك أعلنت أنني كما كُنت دوماً جبل لا يتزعزع.
وعندما جاء الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي، كنت أحمل الأمل في روحي، فتحت أبوابي لأهل الإيمان، وكانت تلك فترة ذهبية شهدت فيها عودة الحياة إلى شوارعي، كانت الأسواق تمتلئ بالحركة، وضحكات الأطفال تملأ الأجواء، كان هذا تجسيداً للسلام الذي طال انتظاره، لكن التاريخ دائماً ما يكون قاسياً.
في القرن الحادي عشر، جاءت الحروب الصليبية، وأنتم تشهدون على كل جرح، وكل دمعة..
اجتاحتني تلك الجيوش المدمرة، حاولت إطفائي، لكن صمودي كان أكبر من أي احتلال؛ لم تنتهي القصة بعد، فمن بعد الصليبيين المخربين جاء صلاح الدين الأيوبي ليعيد لي مجدي، ويحررني من براثن الاحتلال فكانت تلك لحظةً فارقة في تاريخي، أبديت فيها أنني لم أكن فقط مجرد موقع جغرافي متميز، وانني لست مجرد قطعة ضئيلة تقع على خارطة العالم، بل أنا كنت وما زلت رمزاً للمقاومة.
استمر الاستقرار في مدينتي خلال العهد المملوكي، حتى جاء الأتراك العثمانيون، ورغم أنني كنت أعيش في فترة من السلام، كانت العواصف تلوح في الأفق، وفي أوائل القرن العشرين، بدأت أعاني من ويلات الاستعمار الأوروبي، وعندما انهارت الإمبراطورية العثمانية، دخلت في دوامة جديدة من الصراع.
ثم جاء عام 1948، الذي كان بمثابة الحدث الأكثر مأساوية في تاريخي.
اقتحمت جيوش الاحتلال مدينتي، واعتدت على أبنائها. هُجّرت العائلات، وانقسمت الأرواح، لكنني رغم كل شيء، بقيت هنا، أُراقب كل جرح، وكل دمعة، كأم تحتضن أبناءها الضائعين، أرى في كل زاوية من زوايا شوارع مدينتي أنفاس الأمل.
أعوام من الحرب تلت عام 1948. كل جيل شهد صراعاً جديدًا؛ 1967، 1987، 2000، و2008، كانت كل حرب تؤلم روحي وتجعلني أزداد عنادًا وتزداد مقاومتي قوة.
الحرب لم تقتلني؛ على العكس، جعلتني أكتشف أبعاداً جديدة من المقاومة والصمود. كما قال الرافعي: "العظماء هم الذين يسيرون في طريقهم، حتى وإن غلبتهم الرياح".
ما زلت أسير في طريقي، رغم كل العواصف التي مرت بي، حاولوا دفني تحت الركام مرارًا، وفي كل مرة كنت أجد طريقاً للظهور من جديد..
أنا تلك المدينة التي تحملت الظلم، وتجاوزت كل العقبات؛ أعيش في كل قلب فلسطيني، في قلب كل مسلم في أنحاء الكون، في كل ضحكة طفل، وفي كل صرخة من أجل الحرية تهز أركان العالم.. أنا مازلت صامدة وصوتي لن يتوقف عن النداء، ولن تنطفئ شعلتي.
أقول للعالم: أنا غزة، وكنت دوماً هنا، وسأظل هنا، صامدة، رغم كل ما حدث لي.
بقلم: سارة فاضل.
المصادر:
1. ستيفن رنسيمان، تاريخ الحروب الصليبية، ترجمة: حسن حبشي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1978.
2. ديفيد فرومكين، الإمبراطورية العثمانية والشرق الأوسط، ترجمة: محمد طه، دار الفكر العربي، 2001.
3. مصطفى كبها، تاريخ غزة الحديث والمعاصر، مركز الدراسات الفلسطينية، 2010.
4. وليد الخالدي، وعد بلفور ونتائجه، دار النشر الفلسطينية، 1996.
5. تقرير توثيق حقوق الإنسان في فلسطين، الاحتلال الإسرائيلي والحروب في غزة، منظمة هيومن رايتس ووتش، 2018.
6. مركز الدراسات الفلسطينية، معارك 1967 والنكسة، إصدار عام 2003.
7. محمد يونس، تاريخ فلسطين الحديث، دار الشروق للنشر، 2015.
8. موقع منظمة "أوكسفام" للتقارير الحقوقية حول غزة: oxfam.org.
9. تقرير منظمة العفو الدولية حول الحصار الإسرائيلي على غزة: amnesty.org.
10. موقع مؤسسة الدراسات الفلسطينية: palestine-studies.org.
11. هالة أبو سيف، "غزة: تاريخ من المقاومة"، مجلة "المجتمع"، العدد 2345، 2019.

تعليقات
إرسال تعليق
يسعدنا مشاركة رأيك