حين همست العصافير ما عجزت عنه الأوتار "رِيما"

تتجهز ريما للذهاب إلى الأوبرا، ترتدي فستانًا أسود، وتصفف شعرها، وتضع بعضًا من الزينة على وجهها...

ولكنها اليوم تحس بثقل في صوتها، هي لا تدرك ما هذا ولكنها لم تكترث كثيرًا وقالت لنفسها: "هذا من التوتر"، وتوجهت نحو المطبخ وشربت -على عجالة- بعض اليانسون، تذكرت هنا أمها التي وافتها المنية قبل عام. فقد كانت دائمًا تشجعها وتؤمن بموهبتها (وتقوم بِغَلي اليانسون لها)، وتذكرت كلماتها: "يوما ما، ستخرجين من بين الجماعة وستؤدين ما تحبينه".
ريما كانت دائمًا في خلف المجموعة يكاد صوتها يجلو، ولكن اليوم ستخرج من هذه القوقعة وتؤدي عرضًا باهرًا بصوتها.
مسحت بأطراف أناملها ذلك الدمع الذي تدلى على خدها.
حملت حقيبتها وأغلقت الباب بعد خروجها، وعندما وصلت، لم تتحدث إلى أحد، كانت متوترة، ولكن السبب ليس العرض...
ريما كانت دائمًا عندما تدخل ترى أمها بين الجالسين، يأتيها شيء من الخيال ويبث فيها الراحة، لم تبح بهذا السر لأي أحد من الخلق، حتى صديقتها ليلى التي انتبهت أنها تشد فستانها وتحاول لفت انتباهها.
ليلى: "يا أنت، ماذا بك اليوم، ألست فرحة؟"
ريما: "بلى... بلى".
ليلى: "هل أنت متوترة؟ صوتك مرهق قليلًا".
لم تجب ريما عليها، وتوجهت إلى الداخل، ظلت صامتة حتى حان دور العرض.
صار العرض بصورة مذهلة، إلى أن جاء دورها وتقدمت بخطوات أحستها ثقيلة على أرجلها، ثم رفعت بناظرها نحو الجمهور تتفقد ذلك الخيال، تقلب أعينها بين الجالسين، حتى تطمئن ويسري الصوت في دواخلها، ويخرج جميلًا وقويًّا.
ولكنها لم تجده، وانتهى وقت عزف المقطوعة، وحان دورها، إلا أنها أحست بغصة ولم تستطع إخراج أي صوت منها، تعثرت ثم حاولت ولكن دون جدوى، صمت الجمهور ولكن أعينهم كانت تتحدث، ما بين شفقة وشماتة، ومَن بدا عليه الاستياء أنه دفع نقود لكي يرى هذه البلهاء.
خرج شاب من المجموعة بسرعة بعد أن أشار إليه المايسترو، وأنقذ ما تبقى من الموقف.
خرجت ريما من المسرح راكضة، إلى غرفة الملابس حملت حقيبتها، وأخذت تسابق الريح في الشوارع، لم تكترث لمن صادفتهم، ومن اصطدمت بهم وتجاهلت أقوالهم: "هل هذه مجنونة؟ لماذا تسرع هكذا؟ هل هاربة من شيء ما....؟"
كانت أعين الجمهور لا تغادر مخيلتها، حتى وصلت إلى حديقة عامة، جلست على أحد الكراسي تأخذ أنفاسها ثم انهمرت دموعها، واحمرَّ وجهها، وأخرجت منديلًا من حقيبتها ومسحت به، ثم أخذت نفسًا عميقًا، وأغمضت عينيها محاولة تخيل أي شيء يسعدها، إلا أنها سمعت صوت امرأة.
تقول لها: "هل أجلس بقربك يا بْنتي؟"
ريما: "نعم أيتها الخالة".
كانت امرأة في الخمسين من عمرها، تحمل طعاما للطيور في يديها، لم تمر لحظات إلى وأن تجمعت العصافير حولها وبدأت تطعمهم، وأعطت ريما لتطعم معها...
ثم قالت: "لا تحزنين يا بْنتي مهما كان السبب، فالعمر يجري، اغتنمي شبابك يا عزيزتي".
وها أنتِ تطعمين بعض الطيور وترسمين البسمة عليها.
ثم صمتت قليلًا وراقبت بسمةَ ريما الساخرة، وقالت لها: "أعلم أنك لم تصدقي حديثي ولكن استمعي إليّ، هذه الزقزقة كأنها ضحكات من الفرحة وشكر لنا".
ابتسمت ريما وربتت بيدها عليها، ثم طلبت مزيدًا منها؛ لِـتطعم العصافير مرة أخرى.

-فاطمة صديق.

تعليقات

المشاركات الشائعة