اضطراب الشخصية الحدية
الشخصية الحدية
إن الأمراض الجسدية وإن كانت مؤلمة وقد تعطل الكثير من المهام الحياتية، إلا أن الأمراض النفسية لا تقل ألمًا، بل إنها في بعض الحالات قد تكون أقسى وأشد وطأة؛ لا تعيق مهام الحياة فحسب، بل تأخذ روحها، فتصبح باهتة ثقيلة. وللأسف، لا يعترف الغالب منا بخطر الاضطرابات النفسية، وأنها أشد خطورة من الأمراض الجسدية المعروفة. فالاضطرابات النفسية لا تؤذي من يعاني منها فقط، ولكنها قد تؤذي من حوله بشكل أو بآخر، ونصبح عاجزين مكتوفي الأيدي في حال تعدد حالات القتل والانتحار، ولا نعرف السبب الحقيقي، إلا أنها أسباب نفسية في المقام الأول.
اليوم سنخوض معًا في إحدى تلك الاضطرابات، وهي اضطراب الشخصية الحدية: ما هي؟ وما أسبابها؟ وكيف يمكن محاولة علاجها؟ هذا ما سوف نناقشه في السطور القادمة.
أولًا: ما هي الشخصية الحدية؟
يعرف الطب النفسي الشخصية الحدية بأنها اضطراب في الشخصية يتميز بنمط طويل الأمد من العلاقات الشخصية غير المستقرة، فضلاً عن الشعور المشوه للذات وردود الفعل العاطفية القوية، والتي في الغالب ما تؤدي إلى إيذاء أنفسهم بشكل ما، فضلاً عن إيذائهم من حولهم.
ثانيًا: ما هي أسباب الشخصية الحدية؟
لا يمكن الجزم بالأسباب الحقيقية كاملة؛ لأن الشخصية الحدية تتولد نتيجة تفاعل عوامل متعددة، على سبيل المثال وليس الحصر:
العوامل الوراثية: حيث إن للجينات الوراثية دورًا لا يُستهان به في الاستعداد لتكوُّن الشخصية الحدية؛ بسبب وجود تاريخ وراثي في أحد الجينات لمرض نفسي ما.
العوامل البيئية: الظروف المحيطة بنا لها تأثير كبير في تكوُّن الشخصية الحدية، خاصة في فترة الطفولة عند التعرض للإهمال أو الإساءة أو الصدمات النفسية القويّة كالتحرش أو التعرض للعنف الجسدي. وكذلك الاضطرابات الأسرية؛ إذا نشأ الطفل في بيئة مفككة نفسيًّا، فإن تلك تكون بمثابة التربة الخصبة للاستعداد للاضطرابات النفسية بشكل عام، خاصة الحدية.
اختلالات دماغية: أشارت بعض الدراسات إلى وجود اختلافات في البنية الدماغية ووظائفها لدى الأشخاص المصابين بالشخصية الحدية.
ثالثًا: ما هي أعراض الشخصية الحدية؟
قد تختلف الأعراض من شخص لآخر من المصابين باضطراب الشخصية الحدية، وليس بالضرورة أن تجتمع كلها لتشخيصه بالاضطراب؛ يكفي وجود سببين أو أكثر، ومن تلك الأعراض:
علاقات شخصية متقلبة وانفعالية: حيث يصعب عليهم الحفاظ على العلاقات ويظهر لديهم تذبذب بين التعلق الشديد بالآخرين أو النفور المفاجئ منهم.
الاندفاع والتهور في السلوك: حيث يتخذون -غالبًا- قرارات متسرعة ومتهورة دون التفكير في العواقب، مثل: الإنفاق المفرط، أو الدخول في علاقات جنسية عشوائية غير آمنة، أو القيادة المتهورة.
عدم الاستقرار الوجداني: حيث يكون الشخص تحت تأثير تقلبات مزاجية حادة وسريعة ومفاجئة، والشعور الغالب بالفراغ والملل.
الغضب: يصعب عليهم التحكم في نوبات الغضب والانفجارات العاطفية المتكررة.
سلوك انتحاري أو تشويه للذات: قد يقوم المصاب بهذا الاضطراب بمحاولة إيذاء نفسه بشكل مؤلم بطريقة ما أو بأخرى، وذلك للتعبير عنِ الألم العاطفي الذي يشعر به، وقد تصل إلى محاولات انتحار.
اضطراب الهوية: حيث يصعب عليهم تحديد هويتهم، مع الشعور الدائم بعدم الاستقرار في جوانب الحياة المختلفة.
الشعور بالفراغ: يكون هناك دائمًا شعور بالملل والانفصال عن الواقع.
الخوف من التخلي أو هجرة الآخرين: حيث يسيطر عليهم الخوف الشديد من الفقدان أو الوحدة، ما قد يؤدي بهم إلى الاستمرار في علاقات تزيد من سوء حالتهم النفسية بسبب خوفهم من إحساس الفقد.
رابعًا: ما هي طرق علاج الشخصية الحدية؟
لا يوجد علاج شافٍ بنسبة ١٠٠٪، ولكنها طرق لتخفيف الأعراض وتحسين نوعية الحياة نوعًا ما، مثل:
الاعتراف والتقبل: حيث يُعدّ الاعتراف بوجود خلل نفسي أهم وأول أسباب العلاج، وتقبُّل أن المرض النفسي مثله مثل الأمراض الجسدية. وتُعَدّ تلك الخطوة اجتيازًا كبيرًا لمرحلة العلاج.
2- العلاج النفسي: ويُعَدّ الخطوة الأساسية للعلاج ويشمل عدة طرق منها:
أ) العلاج السلوكي المعرفي: حيث يساعد على تغيير الأنماط السلبية في التفكير والسلوك.
ب) العلاج الجدلي السلوكي (DBT): ويركز على تطوير مهارات تنظيم العواطف وتحسين العلاقات مع الآخرين.
ج) العلاج النفسي الديناميكي: ويساعد على استكشاف الأسباب الكامنة لهذا الاضطراب.
3- الأدوية: قد يلجأ الطبيب إلى الأدوية كعنصر مساعد في علاج بعض الأعراض المصاحبة للشخصية الحدية مثل الاكتئاب والقلق.
العلاج الجماعي: حيث يكون مفيدًا للمرضى الذين يعانون من الشخصية الحدية، إذ يتيح لهم التفاعل مع الآخرين الذين يواجهون مشاكل مشابهة.
العلاج بالفن أو الموسيقى: يمكن أن تكون هذه العلاجات مفيدة في التعبير عن العواطف وتقليل التوتر.
العلاج البديل: قد يستخدم بعض المرضى العلاجات البديلة، مثل: الوخز بالإبر والتدليك، ولكن يجب استشارة الطبيب قبل اللجوء إليها.
خامسًا: دعم الأسرة في مساعدة المصابين بالشخصية الحدية:
عن طريق:
التعليم والفهم: ضرورة التعرف على طبيعة الاضطراب وأعراضه وأسبابه؛ لأن ذلك الفهم يساعد على التقليل من الشعور باليأس والإحباط.
التواصل المفتوح: محاولة إنشاء بيئة آمنة للتعبير عن المشاعر والأفكار دون خوف من الحكم أو الانتقاد، مع التواصل بوضوح وإيجابية.
الدعم العاطفي: يجب عليهم التعبير عن الحب والدعم والاهتمام دون انقطاع، وتشجيع المصاب على العلاج، بل ومحاولة المشاركة فيه كنوع من الدعم.
سادسًا: طرق التعافي ما بعد العلاج:
التعافي من اضطراب الحدية هو رحلة طويلة وشاقة تتطلب التزامًا بالعلاج والعمل الجاد على الذات. وهناك بعض الخطوات المساعدة لمرحلة التعافي، منها:
البحث عن الدعم: الانضمام إلى مجموعات الدعم مع أشخاص يعانون من نفس الاضطراب.
ممارسة الرياضة: حيث تساعد على تحسين المزاج وتقليل التوتر، وكذلك ممارسة تقنيات الاسترخاء.
تجنب المواد المخدرة والكحول: لأنها قد تزيد من سوء الأعراض.
بناء العلاقات الصحية: محاولة تطوير العلاقات مع الأشخاص المحيطين، والابتعاد عن العلاقات المؤذية التي تزيد من احتمالية الرجوع خطوات كثيرة للخلف بعد العلاج.
الشخصية الحدية هي اضطراب معقد يتطلب علاجًا طويل الأمد، ولكن مع العلاج والانتظام والدعم يمكن للمصابين التعافي منه والعيش بحياة أكثر استقرارًا وسعادة. ليس ذلك الاضراب فحسب؛ فالأمراض النفسية عمومًا تحتاج إلى رحلة من الإرادة والدعم والمحبة، ومن المهم تغيير الثقافة التي تَعُدُّها أقل خطرًا أو تأثيرًا على الشخص ذاته أو من حوله.
رسالة إلى كل أب وأم: أطفالكم ليسوا فقط بحاجة إلى الطعام والملبس والألعاب الغالية، فرعايتهم النفسية لا تقل أهمية عن اهتمامكم بصحتهم الجسدية. في تلك المرحلة، الأطفال مثل التربة الخصبة؛ قد تهتمون بجميع النواحي وتتركونهم عرضة للإصابة بمرض نفسي خفي يسرق منهم حياتهم وآمالهم، وقد يفقدهم أنفسهم. حفظكم الله وإياهم، وعافى عن كل مريض نفسي أو جسدي.
-فريدة النجار.

تعليقات
إرسال تعليق
يسعدنا مشاركة رأيك