عالم وهمي: عندما تفقد إحساسك بالحياة وأنت ما زلت حيًا
عالم وهمي: عندما تفقد إحساسك بالحياة وأنت ما زلت حيًا..
هل جربت يومًا أن تستيقظ من نومك وأنت تشعر أن العالم ليس كما كان؟ أن كل شيء يبدو باهتًا، كأن الحياة تَجَسَّدت في فيلمٍ قديمٍ صُوِّر بعدسة مغبشة؟ هل مررت بتلك اللحظة العجيبة حين تقف أمام المرآة، تنظر إلى وجهك، لكنك لا تشعر أنك "أنت"؟ كأن عقلك انفصل عن جسدك، وكأن الحياة أصبحت مسرحية وأنت مجرد متفرج صامت على أحداثها؟
إنه الانفصال عن الواقع، ذلك الاضطراب الذي يجعل المرء يعيش بين الناس ولا يشعر أنه واحدٌ منهم، يرى العالم لكنه لا يلمسه، يسمع صوته الداخلي لكنه لا يتعرف عليه.
قد يبدو الأمر كأنه جزءٌ من أدب الخيال العلمي، لكنه حقيقةٌ نفسيةٌ موثَّقة، يعاني منها آلاف البشر حول العالم.
ما هو الانفصال عن الواقع؟
الانفصال عن الواقع، أو ما يعرف بـ اضطراب تبدد الشخصية والانفصال عن الواقع (Depersonalization-Derealization Disorder)، هو حالةٌ نفسيةٌ يشعر فيها الإنسان وكأنه منفصلٌ عن نفسه أو عن العالم من حوله. وكأن الحياة ليست سوى حلمٍ طويلٍ..
يأتي هذا الشعور في صورتين:
تبدد الشخصية (Depersonalization): حين يشعر المرء أنه ليس هو، كأن جسده مجرد غلافٍ فارغ، وكأن روحه تطفو بعيدًا، تراقب كل شيء من علٍ دون أن تكون جزءًا منه.
الانفصال عن الواقع (Derealization): حين يبدو العالم غريبًا وغير حقيقي، كأن الألوان فقدت بريقها، والأصوات أصبحت مكتومة، والوجوه تحولت إلى أقنعةٍ متحركةٍ بلا ملامح.
لماذا يحدث هذا الاضطراب؟
عقل الإنسان آلةٌ معقدة، أشبه بمدينةٍ ضخمةٍ تعجُّ بالطرقات المزدحمة والمباني الشاهقة، وكلما زاد الضغط، ارتفعت درجة حرارة المحركات، وقد يقرر العقل في لحظةٍ ما أن يفصل التيار عن بعض الأحياء لحماية المدينة من الانهيار.
هكذا هو الانفصال عن الواقع، آلية دفاعية يستخدمها العقل حين يتعرض لصدمةٍ نفسيةٍ قاسية، أو ضغطٍ نفسيٍّ طويل الأمد. كأن الدماغ يضغط على زر "الطوارئ" ليحمي نفسه من الانهيار العاطفي. قد يحدث هذا نتيجة:
صدمات الطفولة مثل التعرض للإهمال أو سوء المعاملة.
القلق الحاد والتوتر المزمن.
اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD).
التجارب القريبة من الموت.
تعاطي المخدرات أو بعض الأدوية المؤثرة على الدماغ.
إنه أشبه بجنديٍّ خرج من معركةٍ دموية، فقرر عقله أن يغلق نوافذ الإدراك، حتى لا يرى المزيد من الدمار.
هل هو مرضٌ خطير؟
قد يتبادر إلى الذهن أن هذا الاضطراب نوعٌ من الجنون، لكنه في الحقيقة ليس كذلك. فهو ليس فصامًا، وليس حالةً من الهلوسة، ولا يعني أن الشخص قد فقد عقله. لكنه تجربةٌ نفسيةٌ مربكة تجعل المصاب يشعر وكأنه محبوسٌ داخل غرفةٍ زجاجيةٍ يرى منها العالم دون أن يتمكن من لمسه.
في بعض الحالات، يمر الناس بهذه الحالة لفتراتٍ قصيرةٍ ثم تختفي، وفي حالاتٍ أخرى قد تستمر لشهورٍ أو حتى سنواتٍ إذا لم يتم التعامل معها بالشكل الصحيح.
كيف يمكن علاجه؟
قد يتساءل البعض: هل يمكن كسر هذا الزجاج؟ هل يمكن استعادة الإحساس بالحياة؟
لحسن الحظ، الإجابة هي نعم. هناك طرقٌ فعالةٌ لإعادة الاتصال بالواقع، منها:
1. العلاج السلوكي المعرفي (CBT): وهو أسلوبٌ علاجيٌّ يساعد الشخص على فهم أفكاره المشوشة، والتعامل مع مخاوفه بطريقةٍ أكثر واقعية.
2. تمارين التأريض (Grounding techniques): كأن تركز على ملمس الأشياء من حولك، أن تستمع إلى صوت خطواتك، أن تعد تفاصيل الغرفة التي تجلس فيها، أو حتى أن تحتضن نفسك لتشعر بجسدك.
3. التأمل واليقظة الذهنية (Mindfulness): وهو أسلوبٌ يساعد في تدريب العقل على العودة إلى اللحظة الحاضرة، والتخلص من الإحساس بالغربة عن الذات.
4. تجنب العزلة: لأن الانفصال عن الواقع يزداد حين يغرق الإنسان في وحدته.
5. الابتعاد عن المنشطات والمخدرات: لأنها تزيد من اضطراب الإدراك، وتعمّق الإحساس بالغربة النفسية.
وماذا بعد؟
الانفصال عن الواقع ليس نهاية الطريق. هو مجرد محطةٍ مؤقتةٍ في رحلة الحياة. كثيرٌ ممن مروا بهذه التجربة استطاعوا أن يعودوا إلى الواقع، أقوى وأكثر وعيًا بأنفسهم.
إن العقل البشري بحرٌ واسع، تملؤه التيارات والموجات العاتية، وأحيانًا تأخذنا الأمواج بعيدًا عن الشاطئ، لكن الحقيقة الوحيدة الثابتة هي أننا مهما ابتعدنا سنظل قادرين على العودة. فالعالم ليس حلمًا، وأنت لست مجرد خيال… أنت هنا، وأنت حقيقي.
المراجع:
2. researchgate
3. cambridge
4. newharbinger
-سارة فاضل

تعليقات
إرسال تعليق
يسعدنا مشاركة رأيك