قصة "بين صرخات الزيتون" للكاتبة/إسراء عماد العزوني

                       بين صرخات الزيتون

كانت هناك، تجلس بين أشجار الزيتون العتيقة، التي غسل المطر أوراقها حتى أشعت اخضرارًا، كانت شامخة كشجراتها، تلك الأشجار التي ورثتها عن أبيها من جدها الأكبر، أعانتها كثيرًا على حمل بعض أعباء الحياة. كانت جالسة وسط حقلها، في إحدى قرى محافظة جنين، أمام فرنٍ صغير من الطين، تلطم هباته الساخنة أخاديد وجهها، الذي حط الزمن علاماته عليه، إنها الأبية التي لا تنكسر، وإن تحطم بداخلها ألف شيء، أخذت تلف العجين على يدها المجعدة تجاعيد الأيام، لتخبز لابنها وطفليه بعض أرغفة الخبز، بدا عليها كم الشرود والاستغراق في التفكير، ولم تنتبه إلى رغيف الخبز المحترق أمامها، ليبتسم لها ذاك الصغير وهو يتحدث.
- ما بكِ يا جدة؟ لقد تفحم رغيف الخبز ولم تنتبهي إليه.
- ها.. يا إلهي كيف لم أنتبه؟!
- يبدو عليكِ التفكير، بما تفكرين، يا أمي؟
كان يناديها بأمي وجدتي بين حينٍ وحين، فلم يعرف سواها أمًا وجدة، لم يرتوِ الحب إلا منها، ولم يفهم الدنيا سوى من عينيها، ذاك الذي تشبع من خبرات الجدات وحكاياتهم، البالغ من العمر ست سنوات، كان الابن الأصغر لطفلها الوحيد؛
نعم طفلها الوحيد، تظل الأمهات ينظرن إلى أبنائهن بنفس النظرة طوال حياتهم، فهو طفلها؛ طفلها الذي لطمته الحياة في ريعان شبابه، لينعي زوجته الحبيبة، وهو في سن صغير، بعد ولادة ابنه الثاني بساعات، لتترك في عهدته طفلة تبلغ من العمر ثلاثة أعوام، وطفل لم يتجاوز عمره ساعات قليلة. أخذت تساعد ابنها في تربية ولديه، تلك التي نست كيف كانت التربية منذ زمن، لكن عليها البدء من جديد، فهكذا هي الحياة، لا تنتهي اختباراتها، ولا تتذوق حلاوتها إلا باستساغة مراراتها.
شردت مرة أخرى فيما أخبرها به ابنها صباحًا، لقد طلب منها الاستعداد لمغادرة المكان في أي وقت، ستترك حقل الزيتون، ستترك البيت الذي شهد على سنوات عمرها، فالخطر محدقٌ بابنها، عليها أن تفعل. كان الشرود البادي على وجهها ليس كآخر، تعجب حفيدها من هذه الحالة، التي تعصف بجدته منذ أشرقت الشمس، أخذ رغيف الخبز المحترق وفتته كما تفعل هي دائمًا، ووضعه في صحن قرب أحد الأشجار، ثم عاد ليلهو داخل باحة البيت الصغير، ويشاكس في أخته الكبرى، ريثما يجيء أبوه من العمل.
لقد عمل والده طبيبًا، وقد كان أحد أكبر الأطباء بالمدينة -على الرغم من صغر سنه- ساعد الكثير من المرضى، ومدهم بالدواء اللازم دون أخذ المقابل، تعلم كيف ومتى يأخذ، وكيف ومتى يعطي، ربته والدته على العطاء والكرم، تعبت كثيرًا في تربيته؛ حتى يصبح هذا الطبيب المعروف بشهامته، وحبه للخير، ومهارته الكبيرة، كان قد توفي والده وهو في سن الخامسة، كدت والدته لتستطيع تربيته، وإنشاءه نشأة صالحة، عملت بالزراعة في حقل الزيتون، كما عملت بالخياطة من المنزل، كانت تخيط الثياب لكل أهل القرية تقريبًا، والكل يشهد لها بمهارتها، هكذا ربته بالعمل والكدح لإطعامه اللقمة الحلال، وكان هو يساعدها بقدر استطاعته في الحقل الصغير المكون من بضع شجرات، كان إنتاج الشجرات يغطي مصاريف تعليمه، واحتياجاته من الملبس، إضافة إلى بعض الكماليات، كانت حياتهم تحمل من القسوة والمحبة الكثير.
وعلى الرغم من سوء الأوضاع في البلاد، واستمرار الأحداث المؤلمة نتيجة همجية الاحتلال، فقد استطاعت أن تحيا مع ابنها في كهف معزول عما يحدث من حولها، كانت تخشى عليه من كل شيء، أرادت أن تبعده عن أي خطرٍ قد يتربص به، تخشى فقدانه، كما فقدت والده ووالدها من قبل، لقد استشهدا أثناء القيام بواجبهما تجاه الأرض.
انتهت الجدة من الخبز، ونادت حفيدتها لتعينها على لملمة المكان، وإعداد الطعام فلم يبق الكثير على وصول والدها، استجابت الطفلة لنداء جدتها، وأخذ عمر الصغير يلهو حولهما محاولًا تقديم يد العون، كما تفعل أخته، وما هي إلا لحظات حتى فتح الباب الخارجي للمنزل، ليترجل منه والد الطفلين، فيركض عمر وهند للإلقاء بنفسيهما في أحضان والدهم.
كان شابًا خطت الدنيا أوجاعها في وجهه، وبرزت طعناتها في ملامحه.
أخذت عيني الجدة ترقبهم من خلف الجدار، وتترقرق في عينيها دمعة حارقة؛ دمعة تعلم منذ أمد أنها لا بد وأن تأتي في يوم ما، لكن كانت تتحاشاها، تتجنب التفكير بها؛ نظر الأب لوالدته -كان يدرك تمامًا ما بها- وابتسم لها عله يمحو الحزن عنها ولو قليلًا.
بدأت الجدة والطفلين في إعداد المائدة، لحظاتٍ وكانوا جميعًا فوق طاولة الطعام، كان الصمت سائدًا بشكل مريب، لم يعتده الطفلين فيما مضى، بات عمر يشك فعلًا بأن شيئًا ما يحدث، ولا يدرون ما هو!
انتهت العائلة الصغيرة من الطعام، واتجهت الجدة كعادتها لتجلس فوق المصطبة المغطاة بجلد الماعز، وبعض الوسائد المزركشة أمام المنزل، ليذهب إليها ابنها محدثًا إياها.
- أمي.. ما بك؟
- أفكر.
- بما؟
- هل حقًا ما قلته؟ كيف فعلت هذا؟
- ماذا فعلت؟
- وأنا والطفلين؟
- أمي؛ هذا واجبي، لطالما أردت القيام به، كنت أعمل بالخفاء طيلة سنوات، حتى لا أشعرك بالخوف، لكن الآن أصبح الوضع خطرًا، وعلينا المغادرة.
- سيصبح خطرًا، بالتأكيد سيصبح، هل كنت تنتظر غير ذلك؟
سألته هذا السؤال ولم يبدو بأنها كانت تنتظر الإجابة، فقد عادت للداخل مرة أخرى، أخذ يوسف يفكر، كان يدرك أن هذا الجمود في حديث أمه يخفي وراءه الحزن الكبير، لن ترغب بهذا، لن ترغب بترك كل شيء والرحيل، لقد رغب في حمايتهم دائمًا، أراد أن يوفر لهم أفضل حياة ممكنة، أراد أن يحيوا ليس فقط بعيش حياة مسالمة بعيدة عن المشكلات، بل بحياة حرة، أن يتنفسوا الحرية، كما تنفسها أول مرة أطلق فيها النار في وجه العدو، كان ينتظر أمر القتال بين الفينة والأخرى، ليحس هذا الشعور، شعور الحرية، بالدفاع عن بلاده عن حقه وحق أولاده. حاول كثيرًا إبعاد الأمر عن أهله، لكن الآن بات لجيش العدو معلومات عنه وعن بعض أصدقائه، لقد تسربت معلوماتهم من قبل أحد الخونة، لا بد له من حماية أهله وإبعادهم عن الخطر في أقرب فرصة.
دخل الليل سريعًا، وها هي هبات هواءه الباردة تلفح وجوه العابرين. كان لايزال جالسًا أمام البيت مستغرقًا في التفكير، إن والدته عنيدة بعض الشيء، ولن تتخلى عن حقل الزيتون بهذه السهولة، ماذا عليه أن يفعل؟ حتى يأخذها هي وطفليه ويبتعد من هنا، انساب الوقت من بين يديه، ولم يشعر كم من الزمن مر عليه في هذه الجلسة، لكن شيئًا ما أنذره بأن الخطر يقترب، شم رائحة الموت من بعيد، باتت دقات قلبه تقرع كالطبول، ما هذا الشعور؟ لم ينتظر كثيرًا، لتأتيه الإجابة، لقد أتاه اتصال من أحد أصدقائه، والذي يقع بيته على حدود القرية.
: دخل اليهود، لقد تحركوا أسرع مما توقعنا.
ترك الهاتف فورًا من يده، وهو يصرخ على أمه وطفليه بأن يهموا بالخروج، أراد أن يأخذهم ويتسلل بهم لخارج القرية، قبل أن يصلهم اليهود.
كانت والدته ترجف حين أخبرها بأن عليهم المغادرة حالًا، وطفلته تراقب بعينين خائفتين، وولده الأصغر يقف حائرًا، ماذا هناك؟ وماذا سنفعل؟
ارتدت العجوز عباءتها في أسرع وقت، وتحجبت حجابًا كاملًا، أرادت أن تأخذ أي شيء معها للطفلين، لكن صرخات ابنها منعتها من هذا، وها هم يمسحون الأمتار مهرولين بين جنبات الظلام.
لكن شل حركتهم صوت الرصاصة التي أطلقت في الهواء، وقفوا من دون أية حركة، كانت رجفات العجوز والطفلين كفيلة بأن يقعوا جالسين على أرجلهم، لم يتمكن يوسف من الالتفات ليرى ما يحدث، فقد كانت بندقية الجندي تنغز في فقرات ظهره، طلب منه الجندي التقدم للأمام، وها هو يستسلم لرغباته، فلا يريد أن يعرض أهله للخطر، إذا فعل أي شيء.
أخذ الجندي يأمره بالتقدم حتى ابتعد نحو عشرة أمتار عن أهله، ليأمره بعد ذلك بالاستدارة مواجهًا أمه وطفليه، نظر إليهما وقد تجمعت الدماء في وجهه، كانت نظرات والدته وصرخاتها كفيلتين بتحطيم الحجر، أرادت أن تهرول نحو ابنها وصغيرها وسندها بهذا العالم، لكن صرخة جندي آخر، وفوهة البندقية التي صوبت نحوها ونحو الطفلين منعتها من التقدم لخطوة واحدة، ظلت تنظر لابنها، وأدركت أنها النظرات الأخيرة، فهمت ما كان يرمي إليه من عينيه، أراد منها الاعتناء بنفسها، وبطفليه الصغيرين، وقد شقت الابتسامة وجهه من بين الدموع، وها هو يرى رفيق دربه يقف على بعد ليس بقليل، أخذ ينظر إليه كانت نظراته تأكد الوصية.
تذكر حديثه في ذاك اليوم:
- خالد أريد أن أوصيك بشيء.
- توصيني! ولما؟
- إن حدث لي شيء في يومٍ ما فأمي وأطفالي أمانة لديك.
- ما الذي تقوله؟ وما الذي سيحدث لك؟ لن يحدث لك شيء إن شاء الله؟
- لكني أوصيتك فتذكر.
- آه منك ومن أفكارك الآن.
- يا صديقي أنت تعلم كيف تسير الأمور هنا، وأنا فقط أرغب بالاطمئنان على أهلي، هم في ودائع الله أولًا، ثم رغبت بأن أوصيك بهم ليس إلا.
- حسنًا حسنًا.
- ألا تأخذ حديثي على محمل الجد؟
- لن آخذ.
- حسنًا.
نظر كل منهما للآخر وضحكا، فكر خالد بنظرات صديقه الأخيرة، ووصيته قبل أيام، هل كان يعلم؟ أشعر باقتراب أجله؟!
وأمام عيني صديقه، وبين تجمع أهل القرية المشاهدين من بعيد، ونظرات الأم والأطفال، اغتالته بندقية الجندي وأردته قتيلًا؛ صرخت الأم صرخة مدوية، لقد قتلوه، قتلوه كما قتلوا أباه وجده من قبل، كانت صرخات الأم المبحوحة ونحيب الطفلين يلومون هذا العالم، يلومون الظلم، والاستبداد، تفوح من صرخاتهم رائحة القهر. ركضت الأم لتلم جسد صغيرها بين أحضانها وتبكي، أصبح بكائها هادئًا الآن، لقد كان مبتسمًا، تذكرت ابتسامته في آخر لحظة له، كان يريدها إذًا، أراد نيل الشهادة، لطالما كان معطاء، فلن يبخل بروحه الآن، استودع أهله عند ملك الملوك، واستقبل ملك الموت بابتسامة؛ ابتسامة لطالما استفذت عدوهم، ابتسامة ستحيا بمخيلتهم دائمًا وأبدًا.



-إسراء عماد العزوني

تعليقات

المشاركات الشائعة